ابن خلدون
156
تاريخ ابن خلدون
استبدت كل واحدة منها بجانب من الأندلس وحظ كبير من الملك على نسبة الدولة التي اقتسموها ولم يزالوا في سلطانهم ذلك حتى جاز إليهم البجر المرابطون أهل العصبية القوية من لمتونة فاستبدلوا بهم وأزالوهم عن مراكزهم ومحوا آثارهم ولم يقتدروا على مدافعتهم لفقدان العصبية لديهم فبهذه العصبية يكون تمهيد الدولة وحمايتها من أولها وقد ظن الطرطوشي أن حامية الدول باطلاق هم الجند أهل العطاء المفروض مع الآهلة ذكر ذلك في كتابه الذي سماه سراج الملوك وكلامه لا يتناول تأسيس الدول العامة في أولها وإنما هو مخصوص بالدول الأخيرة بعد التمهيد واستقرار الملك في النصاب واستحكام الصبغة لأهله فالرجل إنما أدرك الدولة عند هرمها وخلق جدتها ورجوعها إلى الاستظهار بالموالي والصنائع ثم إلى المستخدمين من ورائهم بالأجر على المدافعة فإنه إنما أدرك دول الطوائف وذلك عند اختلال بني أمية وانقراض عصبيتها من العرب واستبداد كل أمير بقطره وكان في إيالة المستعين من هود وابنه المظفر أهل سرقسطة ولم يكن بقي لهم من أمر العصبية شئ لاستيلاء الترف على العرب منذ ثلاثمائة من السنين وهلاكهم ولم ير إلا سلطانا مستبدا بالملك عن عشائره فقد استحكمت له صبغة الاستبداد منذ عهد الدولة وبقية العصبية فهو لذلك لا ينازع فيه ويستعين على أمره بالاجراء من المرتزقة فأطلق الطرطوشي القول في ذلك ولم يتفطن لكيفية الامر منذ أول الدولة وإنه لا يتم إلا لأهل العصبية فتفطن أنت له وافهم سر الله فيه والله يؤتي ملكه من يشاء الفصل الثالث في أنه قد يحدث لبعض أهل النصاب الملكي دولة تستغني عن العصبية وذلك أنه إذا كان لعصبية غلب كثير على الأمم والأجيال وفي نفوس القائمين بأمره من أهل القاصبة إذعان لهم وانقياد فإذا نزع إليهم هذا الخارج وانتبذ عن مقر ملكه ومنبت عزه اشتملوا عليه وقاموا بأمره وظاهروه على شانه وعنوا بتمهيد دولته يرجون استقراره في نصابه وتناوله الامر من يد أعياصه وجزاءه لهم على مظاهرته باصطفائهم لرتب الملك وخططه من وزارة أو قيادة أو ولاية ثغر ولا يطمعون في مشاركته في شئ من سلطانه تسليما لعصبيته وانقيادا لما استحكم له ولقومه من